السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
94
مفاتيح الأصول
الواقعة في الآيات الكثيرة المتتالية واقعة في الحال وبالجملة الأمر في المضارع ملتبس والحال فيه مشتبه وليس الاشتراك فيه متفقا عليه ولا له دليل واضح مستند إليه ولا حجة إلَّا بالمجمع عليه وأمر ثابت بالدّليل والظاهر أن القائل باشتراك المضارع بين الحال والاستقبال ممن قال بترجيح الاشتراك على المجاز وقد بنى الأمر في هذا الفرع على ما تقرر عنده من حكم الأصل فلو بنى الحكم في الأصل على ثبوت الاشتراك في الفرع المذكور كان فيه دور واضح وأمّا الأمر فالحال فيه أظهر من أن يخفى فإن الخلاف في مدلوله في غاية الظهور والجلاء والقول بالوجوب فيه هو المشهور بين الأصوليين والفقهاء والقول بالاشتراك فيه نادر جدّا أو مستنده ليس إلَّا رجحان الاشتراك على المجاز فالبناء عليه هاهنا يستلزم المحال ثم إنا لو سلمنا اشتراك جميع الأفعال والحروف فذلك لا يقتضي غلبة الاشتراك على المجاز ليثبت رجحانه عليه وإنما يقتضي غلبته على الانفراد واللازم منه رجحانه بالقياس إليه دون المجاز ثم قال رحمه الله في مقام دفع ما تمسّك به بعض على رجحان الاشتراك على المجاز المتقدم إليه الإشارة والجواب عن ذلك يعلم بما سبق فإنّ هذا إنما يقتضي عموم الاشتراك وشموله لجميع الألفاظ والمقصود بيان غلبة الاشتراك على المجاز وليس فيما ذكر دلالة على ذلك إذ لا يعلم من اشتراك الألفاظ كلها بين معنيين فما زاد أن المعاني الَّتي صارت الألفاظ بالقياس إليها مشتركة أكثر من المعاني الَّتي هي بالقياس إليها مجازات فإنه لو فرض أنّ المعاني المجازية أكثر لم يكن في ذلك منافاة لعموم الاشتراك وإحاطته بجميع الألفاظ ويمكن الجواب أيضا بمنع كون الألفاظ حقائق في أنفسها فإنّ الثابت هو الاستعمال وهو أعم من الحقيقة والمجاز إلَّا أن يبني على رجحان الاشتراك على المجاز مع الدّوران فيلزم الدور فإن قيل المجاز ملزوم العلاقة ولا علاقة بين اللفظ والمعنى قلنا العلامة بينهما متحققة فإن اللَّفظ دال على المعنى فلو استعمل وأريد منه اللفظ كان استعمالا للفظ المدلول في الدّال فإن قيل إن علاقات المجاز محصورة وليس هذه منها قلنا لا نسلَّم الحصر فإن الضّابط تحقق الارتباط وحصول مفهوم العلاقة سلمنا لكن نقول المجاوزة في الخيال يشمل مثل هذا إذ لا ريب في مقارنة اللفظ للمعنى بحسب التصوّر وكذا السّببيّة والمسبّبية فإن اللَّفظ سبب لحصول المعنى في الذهن والمعنى سبب عنه فلو استعمل كان استعمالا للفظ المسبّب في السّبب أو استعمالا للموضوع لأحد المتجاورين في الخيال في الآخر ويدل على أن اللَّفظ مجاز في نفسه لا حقيقة تبادر المعنى من اللفظ عند الإطلاق دون اللفظ إذ لا ريب في أن المفهوم من لفظ زيد عند الإطلاق هو الذّات المعيّنة وإنما يفهم منه اللَّفظ أعني زيد بواسطة القرائن وتبادر الغير وتوقف الفهم على القرينة من دلائل المجاز سلمنا أن اللَّفظ موضوع لنفسه أيضا لكن ذلك لا يقتضي الاشتراك حتى يلزم رجحانه على المجاز فإن الاشتراك من صفات اللَّفظ بالقياس إلى المعنى على ما يقتضيه تقسيمهم اللَّفظ بالنظر إلى المعنى إلى متّحد المعنى ومتعدد المعنى وتقسيم متعدد المعنى إلى المشترك والحقيقة والمجاز وغيرهما وحمل المعنى في كلامهم على ما يتناول اللفظ بعيد قد يقال إنّه لا ريب في أن نحو الكلمة والكلام والجملة والاسم والفعل والحرف والقول واللفظ وغيرها مما لا يحصى موضوعة للألفاظ دون المعاني فحمل المعنى في كلامهم على ما يعمّ اللَّفظ لا بد منه ولا مفرّ عنه وأيضا فالمعنى ما يقصد من اللَّفظ ولا شك في أنّه يعم اللفظ فالأولى أن يقال إن الظاهر من المعنى ما يغاير اللفظ بالذّات ولو كان لفظا فيدخل اللفظ الموضوع للفظ آخر كالألفاظ المذكورة ويخرج اللَّفظ الموضوع لنفسه لانتفاء التغاير بالذات وإن حصل بالاعتبار سلمنا ثبوت الاشتراك في اللَّفظ بواسطة وضعه للمعنى ولنفسه لكن مقتضى ذلك ترجيح الاشتراك بالمعنى الأعمّ الشامل لما يحصل من وضع اللفظ لنفسه وهو خلاف المدعى فإن المقصود ترجيح الاشتراك المسبب عن وضع اللَّفظ لما يغايره خاصة فما دلّ عليه الدّليل وهو رجحان الاشتراك بالمعنى الأعمّ غير المدّعى والمدّعى وهو رجحان الاشتراك بالمعنى الأخصّ أي الحاصل من الوضع للمعنى المغاير لا يدل عليه الدّليل المذكور والحاصل أن غلبة الاشتراك إن اقتضت الرّجحان فإنما يقتضيه على الوجه الَّذي تحقق الغلبة إن عامّا فعام وإن خاصا فخاص والوجه الَّذي به تحقّق الغلبة هاهنا يعم اللَّفظ والمعنى فينبغي أن يكون اللازم منه كذلك ولا ريب في كونه خلاف المقصود انتهى الثاني أن للاشتراك فوائد لا توجد في المجاز وللمجاز مفاسد لا توجد في الاشتراك فكان الأوّل أولى بالترجيح أمّا فوائد الاشتراك فمنها أن المشترك مطرد لكونه حقيقة فلا يضطرب بخلاف المجاز فإنه قد لا يطرد ومنها أنّه يصحّ منه الاشتقاق بالمعنيين فيتسع الكلام والمجاز قد لا يشتق منه ومنها أن المشترك يصحّ منه التجوّز في المعنيين فيتسع الكلام وتحصيل الفائدة المطلوبة في المجاز بخلاف المجاز فإنه لا يصحّ التجوز منه ومنها أن المشترك يتعين أحد معنييه مع تعذر الآخر بخلاف المجاز فإنه قد يتعين بتعذر الحقيقة ومنها أن الفهم مع الاشتراك يحصل بأدنى القرائن وفي المجاز لا بدّ من قرينة قوية تعادل أصالة الحقيقة وتزيد عليها وأمّا مفاسد المجاز فمنها أن المجاز يتوقف على القرينة والوضعين والعلاقة والاشتراك لا يتوقف على جميع ذلك ومنها أن المجاز يفضي إلى الخطاء مع إرادته وانتفاء القرينة الدّالة عليه أو خفائها على السّامع فإنه يحمله على الحقيقة كما هو الأصل فيقع في الخطاء بخلاف المشترك فإن السّامع مع القرينة يحمل